إنه ذلك الشيء الغريب: لا يمكننا قول الحقيقة إلا عندما لا يعرف أحد من نحن. تفتح محادثة، وتكتب بضع كلمات لشخص لم تقابله من قبل، وها هي الكلمات تخرج ببساطة. لا تهتم بنبرة صوتك. لا تهتم إذا أحبك الناس أم لا. أنت تتحدث فقط.
من الصعب العثور على هذا النوع من الصدق في الحياة اليومية. مع الأشخاص الذين تعرفهم، كل ما تقوله له تاريخ. تتذكر ما قلته من قبل، وكيف تفاعلوا، وما قد يفكرون فيه بعد ذلك. هناك دائمًا جدار صغير من الذاكرة في الطريق. ولكن مع الغريب، لا يوجد شيء للحماية. يمكنك قول أي شيء، حتى الأشياء التي لا تحلم أبدًا بإخبار أصدقائك بها.
أحيانًا يبدو التحدث في الظلام أخف. لا توجد صورة يجب الحفاظ عليها. يمكنك أن تكون متعبًا أو غير متأكد أو أخرق في كلماتك، وهذا لا يهم. المستمع لا يتوقع منك شيئًا. إنه ليس أداءً. إنه إنساني.
وربما هذا ما يفتقده الناس أكثر من غيره: هذا الشعور البسيط بأنك مسموع، دون الحاجة إلى لعب دور.
لماذا قد يبدو الغرباء أكثر أمانًا من الأصدقاء
لا يبدو الأمر منطقيًا في البداية: أصدقاؤك يعرفونك، ويهتمون بك. لكن في بعض الأحيان، يهتمون كثيرًا لدرجة أنك تتوقف عن الصدق معهم. تحميهم من حزنك أو شكوكك لأنك لا تريد أن تقلقهم. أو ربما تحمي نفسك لأنك تخاف من رد فعلهم.
الغريب ليس له ماض معك؛ لا يعرف أخطاءك أو عاداتك. لا تحتاج إلى شرح نفسك، ويمكنك ببساطة قول ما تشعر به الآن، وهم يأخذونه كما هو. لا يوجد ثقل على أي من الجانبين.
لهذا السبب يمكن أن تبدو هذه المحادثات الصغيرة العشوائية حقيقية للغاية. شخصان لم يلتقيا قط، يشاركان أجزاء من حياتهما دون أي سبب، باستثناء أنهما كانا مستيقظين في نفس الوقت. أحيانًا تضحك على شيء سخيف، وأحيانًا ينتهي بك الأمر بالتحدث عن أشياء لم تكن تخطط لمشاركتها على الإطلاق.
وعندما ينتهي، ينتهي بهدوء. تغلق علامة التبويب، وتختفي المحادثة، مما يتركك مع شعور صغير بالراحة. ليس لأنك وجدت حلاً، ولكن لأنك قلت شيئًا بصوت عالٍ.
غالبًا ما يعتقد الناس أن الأمان يعني صداقات طويلة وروابط قوية. لكن في بعض الأحيان، يعني ذلك مجرد مساحة: مساحة للتحدث دون أن يتم تصحيحك، مساحة لتكون فوضويًا، مساحة لتكون إنسانًا لبضع دقائق دون أن يتذكر أحد ذلك لاحقًا.
جمال المحادثات القصيرة
لا يجب أن يكون كل اتصال طويل الأمد. بعض المحادثات قصيرة وذات مغزى. تلتقيان، تتحدثان، ثم ترحلان. يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة.
بمعرفة أن المحادثة لن تستمر إلى الأبد، فإنك توليها اهتمامًا أكبر بكثير. تستمع بشكل أفضل. أنت حاضر. لا توجد ضوضاء خلفية من التخطيط أو القلق، فقط الآن.
غالبًا ما يقول الأشخاص الذين يستخدمون الدردشة المجهولة أن هذه المحادثات المؤقتة الصغيرة ساعدت في تقليل شعورهم بالوحدة. إنها تذكرك بأن العالم مليء بحيوات أخرى تتحرك بجانب حياتك، وأن شخصًا ما في مكان ما يفهم ما تقوله، حتى لو لم يعرف اسمك أبدًا.
لا يجب أن تكون صداقة أو حبًا. لا يجب حتى أن تنسى. ما يهم هو أنه حدث، وأنك كنت حقيقيًا لبعض الوقت مع إنسان آخر.
قوة الحضور
في وقت يبدو فيه الكثير من التواصل مصطنعًا أو قسريًا، يشكل هذا النوع من التبادل عملاً صامتًا من الأمل. شخصان يتحدثان دون معرفة بعضهما البعض ومع ذلك يتمكنان من التواصل. هذا يثبت أن التعاطف لا يتعلق بالتاريخ أو الهوية؛ إنه يتعلق بالانتباه.
ربما لهذا السبب يستمر الناس في العودة إلى غرف الدردشة المجهولة ومنصات النصوص البسيطة: إنها تقدم شيئًا فقدته وسائل التواصل الاجتماعي. مساحة بلا فلاتر، بلا ضغط، بلا حاجة للأداء.
تأتي، تتحدث، تستمع، ثم تذهب مرة أخرى. لا ذكريات مخزنة، لا ملفات تعريف مبنية، لا توقعات تنتظرك في اليوم التالي. فقط كلمات من أجل أن تُفهم.
هذا العمل الصغير يكفي لتذكير شخص ما بأنه حتى لو كنت غريبًا في عالم شخص آخر، فإنك لا تزال تنتمي إليه للحظة. وأحيانًا، تكون تلك اللحظة الواحدة من الفهم هي كل ما يحتاجه الشخص حقًا.
عندما تختفي الكلمات ويبقى المعنى
أحيانًا يكون أفضل جزء في المحادثة هو انتهائها. تتلاشى الكلمات، وتغلق النافذة، ولا يوجد سجل لما قيل. ومع ذلك، يبقى شيء صغير معك. ربما جملة، ربما شعور، ربما صوت شخص يفهمك.
يعتقد الناس أن الروابط الدائمة هي الوحيدة التي تهم. لكن الروابط الصغيرة تهم أيضًا. المحادثات الهادئة التي توجد لليلة واحدة ثم تختفي غالبًا ما تبدو الأكثر صدقًا. إنها تذكرك بأن اللطف يمكن أن يحدث في أي مكان، حتى بين شخصين لن يلتقيا مرة أخرى أبدًا.
هذا هو الجمال الغريب للحديث دون معرفة بعضنا البعض: اللحظة تبقى، حتى لو اختفت المحادثة. ولا يحتاج كلا الجانبين إلى تذكرها لتكون حقيقية. كانت حقيقية طالما استمرت، وهذا يكفي.



